الثقافة الوطنية.. مفاهـيم في الانتماء والمواطنة

د. علي البكالي
د. علي البكالي
2021/05/02 الساعة 11:46 مساءً

 

 

يعد مفهوم الثقافة من المفاهيم المحورية الرئيسة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وهو من أهم المفاهيم التي أسهمت في التقدم الفكري والمعرفي للحضارة الإنسانية، ذلك لأنه مفهوم يتميز بتراكم الخبرة والمعرفة الإنسانية، فالثقافة ليست وليدة اليوم والليلة، كما ليست من انتاج جيل بعينه، بل هي وعاء حركة المجتمع في الزمن والجغرافيا، ومخزن أنشطته وابداعه عبر الزمن.

 

والثقافة لغة تعني تسوية الرماح، أو تسوية الرمح بآلة الثقاف، واستخدمت في القرآن بمعنى الالتقاء وحصول المواجهة، ومنه قوله تعالى: (حيث ثقفتموهم)، أي حيث وجدتموهم والتقيتم بهم، ومن جهة أخرى تُعرَّف الثقافة على أنّها الفطنة، فعند القول (ثقف الرجل ثقافة) يعني أنّه صار رجلاً حاذقاً وذا فطنة، وتعني كلمة ثقافة، كل ما يضيء العقل، ويهذب الذوق، وينمي موهبة النقد، وباشتقاق كلمة ثقافة من الثقُّف يكون معناها الاطلاع الواسع في مختلف فروع المعرفة، والشخص ذو الاطلاع الواسع يُعرَف على أنّه شخص مثقّف.
 
وفي العصور القديمة والوسطى كانوا يطلقون مصطلح الثقافة على الإلمام الواسع بكل الأمور والفنون والمعارف، وكانوا يقولون للمتوسع مثقفاً، أي أنه يعرف شيء عن كل شيء، قال الجاحظ: أي توسيع الإنسان الأدب ليأخذ من كل شيء بطرف.
     
ويعد مفهوم الثقافة من أعقد المفاهيم التي تناولها المفكرون والفلاسفة والباحثون بالشرح والتعريف دون الوصول إلى اجماع يحده بحدود معينة، ذلك أن الثقافة تشمل كل حياة الإنسان، فرداً ومجتمع وحضارة ودولة، فهي تساوي مفهوم الحضارة، ومفهوم الطبيعة، وبعض الباحثين يجعل الثلاثة المفاهيم بمعنى واحد، وكأنها مترادفات لبعض، ولعل أقرب تعريف يمكننا الأخذ به للثقافة، هو تعريفها بالسلوك الاجتماعي كما عرفها مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الثقافة"، حيث تصبح الثقافة معيار للسلوك الفردي والجماعي في المجتمعات البشرية.
      
وعندما تستخدم كاسم لمجموع السلوك الاجتماعي، فإنها تعني مجموعة العادات والتقاليد والقيم والأفكار والمعارف والنظريات والفنون والأداب والسلوكيات والقوانين والنظم والأيديولوجيات والحرف والصناعات والأحداث والنضالات والخصائص والمميزات التي يتصف بها شعب وأمة تميزه عن غيره من الشعوب والأمم عبر الزمن والتاريخ.
      
وقد عرفها الفيلسوف "تايلور" بأنها الوجه الآخر للحضارة، فهي ذلك الكل المعقد الذي يحتوي على المعلومات والمعتقدات والفنون والآداب والقيم والقوانين والعادات والسلوكيات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع. 
    
وبإضافة كلمة الوطن لمفردة الثقافة ينشأ لدينا مصطلح وظيفي هو الثقافة الوطنية، والتي تعني كل ما يتصل بتاريخ الوطن اليمني، وحضارته وهويته وابداعاته الأصيلة، من عادات وقيم وأفكار وتصورات ومعارف ونقوش وأثار وفنون وآداب وأزياء وتراث ونظم وقوانين ومعارف وسلوكيات وحرف وصناعات، متراكمة عبر الأجيال، مكتوبة أو غير مكتوبة.
      
وحينما نقول ثقافة أصيلة فإنما ننفي بذلك الوافد الثقافي الذي يعمل كهوية معارضة للهوية الوطنية، وثقافة استبدالية للثقافة الوطنية، فالثقافات الوافدة التي تقتحم وعي الأمة في مراحل تخلفها لا تعد جزءاً من هويتها وثقافتها التاريخية، لأنها تشتغل في لحظة فراغ كمعامل استلاب حضاري لسلب الأمة ذاتها الحضارية واستقلالها الوطني، وتمهيد البيئة للاحتلال والاستعمار السياسي والثقافي، ودليل ذلك أن ثقافة المذهبية والطائفية والاستعلاء السلالي التي غزت اليمن في مطلع القرن الثالث الهجري، شكلت عوامل هدم للثقافة اليمنية الأصيلة، ووضعت نفسها موضع البديل للهوية الحضارية للأمة اليمنية، فأسست  بذلك لتفكك المجتمع، وانقسامه بين المذهبيات المتصارعة، وقضت على الروح الوطنية والقومية للأمة اليمنية، كما قضت على الاستقلال السياسي، فأقامت دويلات مذهبية وسلالية ملحقة بأصولها القرشية والهاشمية، أو الفارسية أو العثمانية، طوال التاريخ اليمني الوسيط، وحولت اليمنيين العظماء أصحاب الحضارة والتاريخ والأرض إلى مجرد أدوات في بيادقها وصراعاتها المذهبية.
      
إن ثقافة الهاشمية، والبطنين، والسلالة، والشيعة، والصوفية، والزيدية، والشافعية، والاسماعيلية،  وغيرها من اللافتات الثقافية المذهبية لا تمت بصلة لهوية الأمة اليمنية وثقافتها وتاريخها وحضارتها، بل هي ثقافات وافدة عمدت لاحتلال وعي الإنسان اليمني وضميره لتتمكن من تقسيمه وتفكيك أواصره،  تمهيداً لاستعباده وإذلاله، واحتلال أرضه، ومصادرة حريته وكرامته واستقلاله، وتدمير هويته وحضارته، تحت ستار الدين والتدين السياسي الزائف، المعلب على هوى الأطماع المذهبية والاستعمارية، فلم يعرف اليمن في تاريخه المتطاول على سبعة آلاف عام المهانة والذل والصغار والتفرق والصراع والحروب والدمار والجهل والتخلف، ما عرفه من شنار العصور الوسطى، بعد وفادة هذه الثقافات الدخيلة المحتلة، ولا يزال شعبنا ينزف من آثارها كل يوم دماً ودمار في كل مجالات الحياة، وما الميليشيا الحوثية اليوم إلا صورة من صور هذا الغزو الثقافي السلالي المخادع تحت أكذوبة آل البيت والعترة، وفرية البطنين والحق الإلهي.
      
إن لكل أمة حضارتها وتراثها الثقافي العريق الذي يكتنز هويتها ومعارفها وقيمها وآدابها وابداعاتها وعاداتها وتجاربها، وهو في ذات الوقت يكتنز خصائص الأمة وروحها الحضارية والتاريخية المستقلة عن غيرها من الأمم، وتعمل الخصائص  الثقافية الحيوية للأمم كمعامل تنقية وتركيب لأي فكرة وافدة، فتقوم بتخليص الفكرة عن علائقها الثقافية المنتزعة من بيئة المنشأ، ثم تعيد هضمها وتركيبها في البناء الثقافي للأمة، بحيث تذوب كل الأفكار والثقافات والنظريات والأيديولوجيات في الثقافة الوطنية، وتصبح أدوات صادقة لخدمة الهوية الحضارية الأصيلة للأمة، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه بالغربال الثقافي للأمم، وهي مسألة جد مهمة في تاريخ كل الأمم والحضارات.
     
وحتى حينما تتعامل الأمم والشعوب مع الأفكار الكونية والرسالات السماوية، فإنها تضفي عليها صبغتها الثقافية الخاصة، فبنو إسرائيل جعلوا من اليهودية ديانة قومية خاصة بالعرق الإسرائيلي، والرومان حولوا ديانة المسيح إلى هوية قومية للامبراطورية الرومانية، واليونان جعلوا من الديمقراطية منتجاً خاصاً بهم، وقريش جعلت من الإسلام رسالة سياسية قبلية، لتعلن تفوقها القبلي والسياسي على العرب، والهاشمية المنافسة لقريش من بطنها، جعلت من رسالة الإسلام شركة وراثية خاصة بالسلالة العنصرية المسماة بالبطنين وأكذوبة آل البيت، والفرس الإيرانيين اتخذوا الإسلام ستاراً لهويتهم الفارسية وأطماعهم الاستعمارية تحت مسمى التشيع، والعثمانيون استثمروا الإسلام كعقيدة تجميعية للقومية التركمانية، وهكذا تعمل الأمم والمجتمعات على إضفاء طابعها الثقافي على الفكرة سواء كانت رسالة سماوية أو فكرة فلسفية أو رسالة اجتماعية.
        
وتكون الكارثة حينما تستقبل المجتمعات المتلقية هذه الثقافات المعلبة عن المجتمعات المصدرة لها، دون امتلاكها معمل تخليص لهذه الأفكار عن علائقها الثقافية، بإعادتها إلى أصولها المعرفية المجردة، وهذا ما حصل لأمتنا اليمنية، حيث استقبلت في مراحل تخلفها أفكاراً ونظريات ثقافية معلبة، تحت مسمى الإسلام والدين والفقه والتفقه، فكانت الخديعة الكبرى، إذ أن تلك الأفكار والدخائل التي نقلت إلى أمتنا اليمنية في لحظة سبات لم تكن هي ذاتها الإسلام روحاً وقيمة، بقدر ما كانت تشكل أيديولوجيات سياسية وثقافية لقريش والسلالة العلوية الهاشمية والفاطمية والفارسية فالعثمانية.
      
لقد تلقت أمتنا أفكار المذهبيات والطائفيات والعنصريات السلالية وأنواع الجهالات الوافدة على أنها تمثل الإسلام، فآمنت بها على عواهنها وعلاتها، ولم تكلف نفسها عناء غربلة تلك الأفكار، وتجريدها من علائقها الثقافية، ومسالكها الاستلابية، فكانت النتيجة قيم انتكاسية، وجهل مطبق، وعصبيات قاتلة، وتخلف مريع، وصراعات وحروب طائفية ومذهبية؟، قتلت تاريخ الأمة اليمينة وحضارتها، واستلبت هويتها وثقافتها، ودمرت سلوكها القيمي والثقافي، فصار الإنسان اليمني يقتل أخاه من أجل أكذوبة سلالية علوية، ويدمر شعبه وأمته لخدمة الاحتلال المذهبي الهاشمي الفارسي، ويسحق ذاته الوطنية لصالح الأيديولوجيات الوافدة.
       
وإذا ما تركنا كارثة العصور الوسطى التي حلت بأمتنا تحت مسمى الثقافة المذهبية والطائفية، وانتقلنا سريعا إلى عالمنا الوطني المعاصر، فسنجد أيديولوجيات وافدة منقسمة بين حداثة اغترابية عن الوطن، وتقليديات جمودية تقدس ثقافات معلبة لا تتصل بالوطن، ولا تخدم قضاياه ومشكلاته، وقد عملت هذه الأيديولوجيات الوافدة كمعامل استلاب حضاري، تقليدي واغترابي، فأبعدت أمتنا اليمنية العظيمة عن روحها الحضارية، وصرفتها عن مشروع البعث الوطني القومي في لحظة فواق تاريخي، كاد أن يكون محطة اقلاع جديدة للأمة اليمانية، فأورثت حالة من التيه والتعلق بالخارج والوافد، عصفت بمصير جيلين كاملين، وأعادت بعث الصراعات والانقسامات بصورتها الوسيطة في عصور الظلام الوسطى.
     
إن الثقافة القومية الوطنية التي نفتش عنها كغائب مكره عن بيئتنا وأمتنا اليمنية، هي البعث الوطني القومي لهذه الأمة العظيمة التي خلد التاريخ أمجادها، قبل أن يتعلم البشر معنى الحضارة والمعرفة، إنها الروح الوطنية والسلوك الثقافي الوطني الذي يجعل كل شيء يمنياً وطنياً خالصاً، يغربل كل شيء وفكرة لصالح بعث الذات والهوية، ولا يقبل أي تعال أو استعلاء على ذات الأمة اليمنية، ولقد شاهدنا فيما سبق كيف عملت الأفكار والأيديولوجيات الوافدة على استبعاد الروح اليمنية والهوية من كل شيء، حتى مناهج التعليم والسياسة والثقافة، فخلقت جيلاً مجهلاً لا يعرف من ثقافته الوطنية الحضارية شيئاً، سوى أنه يمني يعشق التغرب، التغرب الثقافي، والفكري، والأدبي، والسياسي، ويمارس التدمير لذاته بجهل وغباء لحساب الوافد المستعلي، حتى أن الوطن والوطنية والهوية والتاريخ والنشيد الوطني والعلم، صارت في وطننا الحبيب في مرحلة ما، مصطلحات يزدريها البعض ويتأفف عنها، ظاناً أنها أقل شئناً مما يحمل من مشروعات متعالية ومتعدية وفوق وطنية، أو ما يؤمن به من صنمية نفعية، فكانت النتيجة الكارثية، أن طوي الزمن، وانقضت الفرصة التاريخية، وأطلت علينا من جديد ثقافة العصور الوسطى المتخلفة البئيسة القميئة، بوجهها الحوثية السلالية، واتصالاتها الفارسية، لتعيد الأمة اليمنية إلى حالة الاستعباد السلالي العنصري، والاحتلال الفارسي، وقد آن الآوان لهذا الجيل أن ينزع عنه دثار التقليد والاستلاب، وأن يوطن وعيه بثقافة وطنية يمنية خالصة، تترجم ذاته الحضارية الممتدة عبر سبعة آلاف عام.